مستجدّات العصر كيف تنعكس على الحياة الجنسيّة للرجل الشرقيّ؟

Share

منذُ ظهور حبوب منع الحمل، عَرِف الغرب تحوّلاً حقيقيّاً لتصوّراته الجنسيّة ومَفاهيمه لحياة الثنائيّ. أمّا بالنسبة إلى الشرق، المُتمسّك بالتقاليد والمُتأثّر بالتعاليم الدينيّة، فقد وَجدَ صعوبةً في التكيّف مع هذه المفاهيم الجديدة وجعلها مُكتسباتٍ له من دون فقدان هوّيته الثقافيّة.

في هذه المقالة، نعكُف على دراسة هذا التحدّي الحقيقيّ أمام المُجتمع الشرقيّ المُعاصر.

في تمثّل المُجتمع الغربيّ ومُمارستهِ الراهنة للحياة الجنسيّة، يحتلُّ الإنجاب مَساحةً مُحدّدةً أخذت تنحصرُ تدريجيّاً. وكتجربةٍ شخصيّة، تبدو الحياة الجنسيّة أساسيّة في تكوين الفرد وفي صلب دائرة الحميميّة والذاتيّة. فإطالة مُعدل الحياة واكتساب المرأة حُقوقها واستقلاليّتها، سَمَحا ببروزِ حياةٍ زوجيّةٍ أكثر دقّةٍ وسيلتُها المُحرّكة داخليّاً الحياة الجنسيّة، وامتدادها إلى أعمارٍ مُتقدمة على نحوٍ متزايد. لكنْ، إذا وفّر تقدُّم الطبّ في مُجتمعاتنا الشرقيّة إمكانيّة العيش لفترةٍ أطول في صحّةٍ جيّدة، حينها ستُكافح المرأة من أجل التمتّع بالحقوق الاجتماعيّة والقانونيّة العائدة لها. هذه اللامساواة – في علاقاتٍ من هذا النوع – في مُجتمعٍ تزيدُ فيه نسبة الشباب ويَسعى نحو الحَداثةِ مُتحرّراً من كلِّ الضغوطات، تَكشفُ تَناقضاتٍ كثيرة في مَسار حياته الجنسيّة.

إنفصال الحياة الجنسيّة عن الإنجاب

إنّ الانتشار المُكثّف لوسائل الحَمل الطبيّة التي تُؤثّر على وظائف المرأة الجسديّة (حبوب مَنع الحَمِل، وجهاز داخل الرحم والتعقيم الأنثويّ)، أمّنَ للنساء الغربيّات شُعوراً بالثقة وتحكّماً بالذات، وخلّص الأجيال الجديدة من النساء من الحَمل غير المرغوب فيه. هذه الوسائل الحديثة أدَّت إلى انقلابٍ في طريقة التعاطي مع الخُصوبة في الغرب، فالخشيّة من تَكاثر النَسل حلّت مكانُها الرغبة في الإنجاب، وتحوَّلت الخُصوبة إلى تَطلُّعٍ إيجابيٍّ ترجمته العمليّة هي تَهيئة الظروف، والتفكير والاختيار: الرغبة في إنجاب الأطفال أو عدم الإنجاب، واللّحظة التي نرغبُ فيها بإنجابِ الطفل الأوّل والمَسافة الزمنيّة بين ولدٍ وآخر.

هذه القرارات لم تعدْ خافيةً على النساء اللّواتي يَسعينَ لتَنسيقها مع اختياراتهنّ المهنيّة. هكذا، في المفهوم الغربيّ المُعاصر، أصبحتْ العلاقات الجنسيّة المُخصّصة للإنجاب مُعاشة كحقيقة ومُنفصلة كليّاً عن العلاقات غير الهادفة إلى ذلك، أيْ أنّ النشاط الجنسيّ لم يَعُد يُمارس من دون حماية وسائل مَنع الحَمل، والإنجاب أصبح ثمرة قرار تَفاوضيّ بين الزوجيْن. بينما في الشرق، قلائلٌ هنَّ النساء اللّواتي يضْطَلعن بحريّةِ الاختيار والتحكّم. فإنْ كانت الحياة الجنسيّة قبل الزواج أصبَحت مُمتهنة عند بعضِ النساء اللبنانيّات الشابّات، إلاّ أنّ استعمال حُبوب مَنع الحَمل لا يدخلُ في تقاليدهنّ بالإيقاع نفسه. ولأنّ الإجهاض مُحرَّم، ووسائل الحذر غير فعالَّة والرجال يتردَّدون في كثيرٍ من الأحيان في استعمال الواقي الذكوريّ، تزيد حالات الحَمل غير المرغوب فيه وبالتالي عمليّات الإجهاض السريّة التي تتمّ في ظروفٍ غير مرغوبة صحيّاً على الإطلاق.

تناول حبوب منع الحمل؟!

تقول ناديا (27 عاماً) “هل فكرتُ يوماً بتناول حبوب مَنع الحمل؟ مستحيل!” وتُتابع: “برأيي، إنّ تناولها ليس أمراً صحيّاً، فهو يُعطّل الدورة الشهريّة. والبُرهان على ذلك، كلّ صديقاتي اللّواتي يتناولن حُبوب منع الحمل يَشكين من أوجاعٍ في الرأس ومن السُّمنة الزائدة. بالإضافة إلى ذلك، سمعتُ أقوالاً عن أنّها تُغيّر كليّاً طبيعة الحيض الأنثويّ وتُفقد المرأة رغبتها الجنسيّة ممّا يُبعد الشريك. لكلّ هذه الأسباب، اعتمدتُ أنا وزوجي عادة الانسحاب قبل القذف، فأنا لا أجبرهُ على استعمال الواقي الذكوريّ، لأنّ الرجال لا يشعرون باللّذة حين يَستخدمونه، ولأنّني لا أخاف من الأمراض المُنتقلة جنسيّاً أو من السيدا، فالثقة تسود علاقتنا. العلاقة الجنسيّة هي قبل كلّ شيء الرغبة في إنجاب طفل، وفي النهاية الأولاد هم مشيئة الله. بالنسبة إلى عملي؟ اضطررتُ إلى الاستقالة، فأنتم تدركون أنّه بين تحضيرات الزواج وحملي والشقة السكنيّة هناك تضحيات يجب أن أقوم بها لكيّ أكون أمّاً صالحة”.

في الغرب، لم يَعُد يُمارس النشاط الجنسيّ من دون حماية وسائل مَنع الحَمل. إما في بلادنا،

إنّ وسيلة مَنع الحَمل لا تُستعمل عمليّاً إلاّ بعد ولادةٍ أو أكثر، وغالباً ما تكون على شكلِ لولب، وذلك بعد أن يكون دور المرأة التقليديّ قد اكتملَ كليّاً. وبالنسبة إلى بعض النساء، إنّ الحياة الجنسيّة المُعاشة كواجب هدفها الإنجاب، تتوقفُ كليّاً عندما يتحققَ غرضها. وهكذا، لم تصل بعد درجة الفَصل بين نشاطٍ جنسيّ هدفهُ الإنجاب وآخر لا يَسعى إلى ذلك، إلى النسبة المَعمول بها في بلدان الشمال. ومُؤشر ذلك هو صعوبة تورّط الشابات في حياةٍ جنسيّة مَحميَّة بوسائل مَنع الحَمل في حين أنّ هذه الوسائل مَقبولة من الأُمهات النساء اللّواتي أثبتنّ خُصوبتهنّ. وذُروة هذا التناقض تَظهرُ في أنَّ هذه الحبّة المُصنَّفة “شيطانيّة” عندما يكون هدفُها مَنع الحَمل، تُؤخذ من دون تحفّظ عندما يتعلَّق الأمر بمُعالجة طفحٍ جلدي!

ارتباطات أقلّ استقراراً

إنّ التغيّرات الزوجيّة المُعاصرة في البلدان الغربيّة، تُترجم المرور من تعريفٍ قديم لمؤسّسة الزواج إلى تعريفٍ داخليّ وذاتيّ للزوجيْن. فالتطلّع إلى وجودِ شريكٍ لم يتراجع، بل على العكس، ولكنْ ما حدَثَ هو التراجع في مؤسّسة الزواج نفسها. قسمٌ كبير من الذين يعيشون كشريكيْن، لا يَحتفلون أبداً بالزواج ولديهم أولاد من دون أن يكونوا متزوّجين. أمّا في الشرق، فهناك تبدّلات مُتنوّعة داخل الحياة الزوجيّة طبعاً، لأنّ الجنس خارج الزواج ممنوع شرعاً وقانوناً. وهكذا نرى وجوداً لشراكةٍ خارج الزواج تتكوّن، تتّسم بالحبّ، لكنّها مَحكومة بالموت إنْ لم تكن هناك إمكان للزواج. فالزواج يبقى إذاً الغاية التي يسعى إليها الثنائيّ في معظم الحالات. والارتباطُ المبني على الحُب يفرضُ نفسه أكثر فأكثر في قلب العائلات اللبنانية، ونتيجةً لذلك، تُصبح هذه الارتباطات، كما هو الحال في الغرب، أقلّ استقراراً مع نسبةِ طلاقٍ مُرتفعة باستمرار.

لم يعد بيننا أيّ رابطٍ عشقيّ

كارلا (36 عاماً) تعترف قائلةً: “منذُ أسابيع قليلة كنتُ لا أزال زوجة رجلٍ رائع، إلى أنْ طلبتُ الطلاق. فمنذُ سنواتٍ عدّة والعلاقة الجنسيّة مقطوعة بيننا، عِلماً أنّ الجنس بالنسبة إليّ هو مصدر للانشراح ولذّة الحياة. حاولتُ جاهدةً تنبيهه إلى العذاب الذي يتآكلني والحِرمان الذي أعيشه، وفعلتُ المستحيل لإقناعه بالبحث عن حلولٍ مشتركةٍ لحياتنا كزوجيْن، لدرجةٍ أننّي هدّدتهُ باتخاذ عشيقٍ لي كي أُثير غيرته… إنّما عبثًا. أنا شابّة، وأُنثى بكلّ معنى الكلمة، جميلة ومُبتسمة، حتّى أنّه أحياناً يُحاول بعض الرجال إغوائي، لكنْ لماذا لا يشعرُ زوجي بأيَّ رغبة تجاهي؟ وكيف أُشبع إذاً حاجتي هذه؟ لا أستطيع أن أدفن نفسي حيّةً وأنا في الـ36  من العمر… فالانقطاع عن مُمارسة الجنس ليس سهلاً. كنتُ أرغبُ في الحفاظ على هذا الرجل، وأنا أتعذبُ لأنّني سأفقده،  لكنْ لم يعد بيننا أيّ رابطٍ عشقيّ، إنّها مجرّد علاقة أخويّة من دون أيّ بُعدٍ جسديّ؟ أصدقائي وعائلتي يقولون لي بأنّني أبحثُ عن سراب، وأنّه عليّ الاستمتاع بالراحة الماديّة والاستقرار العاطفيّ اللّذيْن نعيشهُما معاً والاكتفاء بذلك، من دون أن آبه بالجنس وأدواته. أنا لا أستطيعُ ذلك. أصرُّ على أنَّه من المُمكن أن ألتقيَ رجلاً يسحرني وأسحره، ويكون عشيقي وفي الوقت عينه حبيبي، وصديقي، وشريكي، وربّما في يومٍ ما والدُ طفلنا. فهل هذا مستحيل؟”

ضغطٍ مزدوجٍ على الثُنائي الشرقيّ المُعاصر

كما تشرحُ كارلا، ما يُميّز حياة الشريكيْن في عصرنا هذا، إنْ كان في الشرق أو في الغرب، ليس فقط معيار الشعور بالغرام، لكن أيضاً الدور المُستحدث الذي تضطلع به الحياة الجنسيّة من الآن وصاعداً في تشكُّل العلاقة الزوجيّة والمُحافظة عليها. فعلاقة التَبعيّة التي تربطُ الجنس بالزواج في الشرق، تنعكسُ تدريجيّاً: من مؤسّسة الزواج التي تُعطي الحقّ للعلاقة الجنسيّة، نمرُّ شيئاً فشيئاً إلى التبادل الجنسيّ، المُحرّك الداخليّ  للشَراكة. وإن كانت الحياة الجنسيّة هي واحدة من سِمات الدور الاجتماعيّ للشخص المتزوّج، فإنّها تتحوَّل أكثر فأكثر إلى تجرُبةٍ لا يُستغنى عنها في جوهر الارتباط الزوجيّ. وبالتالي، يصعب تصوّر العلاقة بين الزوجيْن من دون نشاطٍ جنسيّ. في لبنان مثلاً، التحوّل يبدو أكثر خفراً، إذ تتعايش داخل علاقات الزواج رؤية كلاسيكيّة مؤسسيّة للزواج تهتمُ من جهة بالزيجات على الورق (غير المنجزة) أو من دون أولاد بعيداً عن المُبالغة في إيقاف العلاقات الجنسيّة بعد ولادة الأطفال. ومن جهةٍ أخرى، هناك رؤية أكثر تَقدميّة، تعتبرُ أنّ النشاط الجنسيّ الزوجيّ هو أفضل تعبير عن التبادل الشهوانيّ بين الأزواج أحدهما تجاه الآخر. إذاً، يخضع الثُنائي الشرقيّ المُعاصر لضغطٍ مزدوجٍ من حتميَّة الزواج والإنجاب، ولكن أيضاً مع استمرار الحبّ والعلاقة الجنسيّة. إنّ غياب التناسل الذي يتبعه غياب الحياة الجنسيّة بين الزوجيْن، هما مُؤشّران لمشكلةٍ زوجيّةٍ قد تقودُ إلى الانفصال.

ويبقى الحبّ المبرّر للعمل الجنسيّ

“مُمارسة الجنس مع زوجي، تحصل في كلّ وقت”، تتنهّد لُمى (33 عاماً)، مُتابعةً: “لكنْ وفقاً لرغباته. ليس لديّ الحق في التعبير. هو يُمارسهُ كما يشاء. لا نملكُ أيّ خيار آخر، فنحن نعيشُ في هاجس إشباع رغبات أزواجنا حتّى نتفادى خيانتهم لنا. في الدين لا يحقُّ لنا أن نرفض زوجنا، وأنا لا أريدُ أن أخسره، فأنا أحبّه”.

ومن جهتها، تقول رُبى (27 عاماً) إنّه “حتّى لو لم تكن لديَّ الرغبة، أستسلمُ لهُ كليّاً وبشغف”. أمّا مايا (26 عاماً)، فتوضح أن المسألة ليست  بالإكراه أو واجباً، فـ “إنْ لم تكن لديّ الرغبة، أقول “كلا” بكلّ بساطة. ونخلدُ إلى النوم مُتباعديْن، أو نحضنُ بعضنا ونتبادلُ القبل ليس أكثر وهذا يُريحني من دون أن أشعر بالضغط. لكنْ في الحالة القصوى، يُصبح الهدف تلبية حاجة الآخر من خلال التضحية بذاتنا. وحتّى عندما نُحبّ، يجبُ علينا معرفة احترام الذات والآخر في العلاقة الزوجيّة”.

وتُخبرنا أديلا ( 31 عاماً) أنّه “منذُ حوالي أربع سنوات تزوّجتُ من رجلٍ يكبرُني بخمسة عشر عاماً. بداياتنا كانت خجولة، ولكن مع مرور الوقت، وازدياد تعارفنا واكتشافنا المُتبادل لجسديْنا، وصلنا إلى درجةٍ مقبولةٍ من اللّذة. كنّا نعتبر الحياة الجنسيّة نوعاً من التسلية وشيئاً إضافياً يقرّبنا من بعضنا. لم نكنْ نُضخّم أبداً بشكلٍ مأساويّ أيّ وضع خلال مُمارستنا الجنس. لقد كان زوجي مُلّمّاً بأسرار جسدي والطريقة التي تُوصلني إلى النشوة في كلِّ مرّة. ومن جهتي، كنتُ أعلمُ جيّداً ما يُثير لذّته. فإنْ طلبَ منّي تنفيذ مشهدٍ ما يُثيره، أنفّذه طوعاً. ما من شيءٍ محرَّم بيننا. الزمن، والإصغاء للآخر والمُحادثة أثناء المداعبات… كلّ هذه العناصر مُجتمعةً يُمكنها أن تجعل كلّ علاقة متناغمة ومتوازنة، وتطوّرها نحو ملذّاتٍ متبادلة”.

نُلاحظ جيّداً من خلال اختلاف الآراء، أنّه بالنسبة إلى البعض المتأثّرين أكثر من غيرهم بالتقاليد والتعاليم الدينيّة، يبقى الحبّ المبرّر الراسخ للعمل الجنسيّ إنْ كان مرغوباً فيه أو مفروضاً.

توسيع قائمة الممارسات الجنسية

“مع زوجتي لميا نبدأ علاقتنا بطريقةٍ هادئة: نحضنُ بعضنا، ونتبادلُ القُبَل ونتلامس، لنصل بعدها تدريجياً إلى المُلامسات الجنسيّة” يُخبرنا شادي (38 عاماً)، مُضيفاً: “الجنس الفموي يُشكِّل جزءاً دائماً من مُمَّهداتنا، فهو يُطيل مدّة المُمارسة”.

من دون تردّد، تُجيب ديانا (29 عاماً): “الجنس الفمويّ؟ نعم، بكلّ تأكيد إنّه أمر طبيعيّ، لكنّ وظيفته تتعلَّق بالشريك. فإنْ كانت العلاقة غراميّة، يُعتبر الجنس الفمويّ شيئاً إضافياً أقدِّمه لحبيبي، وفي الوقت نفسه يُجنّبني الولوج،  لكنّني أميلُ إلى رفض القيام بذلك إذا لم يُعاملني شريكي بالمثل. لا أفهم لماذا تكون هذه المُمارسة من جانبٍ واحدٍ فقط”.

أديلا وشادي يُبرزان جليّاً كيف أنَّ الدور المركزيّ للحياة الجنسيّة يتمظهرُ في توسيع القائمة الجنسيّة للرجال والنساء، ممّا يُعطيه أهميّةً لقيمة التعامل بالمثل في النشاط الجنسيّ. فالمُمارسات المُتناسقة كالمُداعبات، والإستمناء المُتبادل والمُمارسات الجنسيّة الفموية تلقى قبولاً مُتزايداً بين الأزواج.

هذا الامتهان للجنس الفمويّ بين الشريكيْن يزداد بوضوح، فهو كان يُعتبر منذ فترةٍ طويلةٍ من اختصاص المومسات، ولا مكان له في الحياة الزوجيّة. تجدرُ الإشارة إلى أنَّ بعض هذه المُمارسات المُتبادلة يلعبُ أحياناً في مُجتمعنا الشرقيّ دور البديل عن المُجامعة، كما ذكرتْ ديانا في شهادتها. فالجنس الفمويّ مقبولٌ من دون شك، لكنَّه انحرف عن هدفهِ فأصبحَ يُعتمد لتجنُّب الولوج. بالإضافة إلى ذلك، إنْ كانت هذه المُمارسات الفمويّة رائجة عند شريحةٍ شابّة، فإنَّ النساء من عمرٍ معيَّن أو في أماكنٍ أخرى يتحفظّنَ غالباً عن القيام بهذا النوع من المُمارسة الجنسيّة لأنهنّ لم يتعودنَ عليها عندما كنَّ يافعات.

التوَّجه لإغناء الجنس

“منفصلة عن زوجي منذُ أربع سنوات ومطلَّقة منذ ثلاث”، تقول هيام (45 عاماً)، “بعد عقديْن من الزواج، قرّرتُ الانفصال عنهُ لأنّني شعرتُ بأنّني مُهملة. الانفصال كان صعباً جدّاً لأنَّ زوجي لم يتقبّله. لقد ناضلتُ طويلاً للتحرّر من هذا الرجل الذي كان يرفضُ إطلاق سراحي. منذُ ذلك الحين، حاولتُ إعادة تنظيم حياتي من خلال لقاءاتي المتنوِّعة. ومرَّت عليَّ سنتان طويلتان من الوحدة والإحباط، ولكنَّ عزائي الوحيد هو أننّي نلتُ حريتي. هذا الاختيار أثمر حديثاً توأم روحي. إنّه خليل (56 عاماً) مطلَّق بدوره، يهتمُّ بي كما لو كنتُ أميرة إنْ في الحياة اليوميَّة أو في السرير. نحن نفكّرُ في عقد قراننا هذا الصيف في قبرص”.

إنّ انفتاح الإمكانيّات المُعاصرة في قضايا الحياة الجنسيّة لا يتوقّف على مستوى الوظيفة الجنسيّة فقط، بل يتشعّبُ إلى مَساراتٍ عاطفيّةٍ وارتباطيّة زوجيّة تقود تدريجيّاً إلى إغناء الجنس. في الواقع، وكما هو الحال في شهادة هيام، إن السِيَر الزوجيّة والعاطفيّة للأفراد تتنوّع وتتجزّأ. فارتفاع نسبة الانفصال لا يؤدّي إلى ارتفاع الشعور بالوحدة الزوجيّة والجنسيّة. ونلاحظُ أنَّ عدد الأشخاص الذين يشكّلون ثنائيّاً جديداً بعد انفصالهم يزدادُ تدريجيّاً. وهكذا، فإنَّ اختيار شريك آخر أضحى أكثر تداولاً، كما أن اختيار فترات تمهيديّة لعلاقاتٍ مع شركاء قد يكونون ملائمين أكثر. إنّ تنويع التجارب وتَعاقب فترات زوجيّة وفترات من دون شركاء ثابتين، تسمحُ لأصحابها التآلف مع سيناريوهات لعلاقاتٍ جنسيّةٍ شديدةِ التغيّر أكثر من أن يكون نشاطهم الجنسيّ محصوراً في علاقةٍ زوجيّةٍ مع شريكٍ واحدٍ مدى العمر. لا يتعلّق الأمر هنا بفِسقٍ منقولٍ من الغرب، لكن بتطوّرٍ يتكوَّن بالتوازي مع الهيكليّة المتطوّرة للمرأة اللبنانيّة. فمُعظم المتغيّرات التي تحصل على صعيد الحياة الجنسيّة للبنانيّين ليست إلاَّ نتيجة التحوّلات الناشئة في مجالاتٍ أخرى للحياة الاجتماعيّة، التي لا يمكننا إعادتها إلى ديناميّة خاصّة بالحياة الجنسيّة فقط.

التنوّع، والمُعاملة بالمِثل والتبادل على صعيد الحياة الجنسيّة، عوامل نابعة من التموضع المُتدرّج للمرأة كمُساويةٍ لشريكها الرجل. فهل يَسعها مُستقبلاً التملّص من الزواج والإنجاب مُؤكّدةً خيارها الحرّ؟ إنّه التحدّي الإضافي للمرأة الشرقيّة.

Share